أحمد ابراهيم الهواري
129
من تاريخ الطب الإسلامي
الشجاعى « 1 » مدير الممالك ورسم بعمارتها مارستانا وقبة ومدرسة . فتولى الشجاعى أمر العمارة وأظهر من الاهتمام والاحتفال ما لم يسمع بمثله حتى تم الغرض في أسرع مدة وهي أحد عشر شهرا وأيام . وكان ذرع هذه الدار عشرة آلاف وستمائة ذراع . وكان الشروع في بنائها مارستانا في أول ربيع الآخر سنة 683 ه - 1284 م فأبقى القاعة على حالها وعملها مارستانا وهي ذات إيوانات أربعة بكل إيوان شاذروان ، وبدور قاعتها فسقية يصير إليها الماء من الشاذروان . ولما نجزت العمارة وقف عليها الملك المنصور من الأملاك بديار مصر القياس والرباع والحوانيت والحمامات والفنادق والأحكار وغير ذلك ، والضياع بالشام ما يقارب ألف ألف درهم في كل سنة ورتب مصارف المارستان والقبة والمدرسة ومكتب الأيتام . ووكل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي أمير جندار في وقف ما عينه من المواضع وترتيب أرباب الوظائف وغيرهم ، وجعل النظر لنفسه أيام حياته ثم من بعده لأولاده ، ثم من بعدهم لحاكم المسلمين الشافعي فضمن وقفه كتابا « 2 » تاريخه يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر صفر سنة 680 ه ( 1281 م ) 4 يونية . ولما تكامل ذلك ركب السلطان « 3 » وشاهده وجلس بالبيمارستان ومعه الأمراء والقضاة والعلماء ، وأخبر بعض من شهد السلطان وشهد عليه أنه استدعى قدحا من
--> ( 1 ) - هو سنجر بن عبد الله الشجاعى المنصوري الأمير الكبير علم الدين وزير الديار المصرية ومشد دواوينها ثم نائب سلطنة دمشق ، وكان رجلا طوالا تام الخلقة أبيض اللون أسود اللحية عليه وقار وهيبة وسكون . وكان في أنفه كبر وفي خلقه شراسة وفي طبيعته جبروت وانتقام وعسف . وله خبرة بالسياسة والعمارة وكان أولا قد ربى بدمشق عند امرأة تسمى بست قجا بجوار المدرسة المنكلالية ، ثم انتقل إلى القاهرة وتعلم الخط وقراءة الأدب واتصل بالأمير عز الدين الشجاعى مشد الدواوين وإليه ينسب بالشجاعى ، ثم اتصل بالملك المنصور قلاوون وهو في جملة الأمراء ولما تسلطن قلاوون تقدم سنجر المذكور عنده وجعله شاد الدواوين ثم ولاه الوزارة بالديار المصرية ، ثم ولاه نيابة دمشق ثم عزل عنها وكان له ميل إلى الدين وتعظيم الإسلام وهو الذي كان مشدّا على عمارة البيمارستان المنصوري بين القصرين فتممه في مدة يسيرة ، ونهض بهذا العمل العظيم وفرغ منه في أيام قلائل ، وكان يستعمل الصناع والفعلة بالبندق حتى لا يفوته من هو بعيد عنه في أعلى سقالة أو غيرها ، ثم عمل الوزارة في أول الدولة الناصرية محمد بن قلاوون أكثر من شهر وحدثته نفسه بما فوق الوزارة فعصى ووقع له أمور فقتل وعلق رأسه على سور القلعة . وكانت وفاته في 24 صفر سنة 693 ( المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي لابن تغرى بردى حوادث تلك السنة ) . ( 2 ) - سنأتي على ذكره مفصلا . ( 3 ) - نهاية الأرب في فنون الأدب للنويرى حوادث سنة 682 ه .